ابن عجيبة
418
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : وكم من المريدين والأتباع مات شيخهم أو قتل ، فثبتوا على طريقهم ، فما فشلوا ولا ضعفوا ، ولا خضعوا لمن يقطعهم عن ربهم ، بل صبروا على السير إلى ربهم ، أو الترقي في المقامات ، ومن لم يرشد منهم طلب من يكمل له ، ( واللّه يحب الصابرين ) ، فإذا أحبهم كان سمعهم وبصرهم ، كما في الحديث . وما كان حالهم عند موت شيخهم إلا الالتجاء إلى ربهم ، والاستغفار مما بقي من مساوئهم ، وطلب الثبات في مواطن حرب أنفسهم ، فأعطاهم اللّه عز الدنيا والآخرة ، عز الدنيا بالإيمان والمعرفة ، وعز الآخرة بدوام المشاهدة ، فكانوا أحباب اللّه ؛ ( واللّه يحب المحسنين ) . ثم حذّرهم اللّه تعالى من الركون إلى عدوهم ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 149 إلى 150 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ( 149 ) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ( 150 ) يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا وهم المنافقون ، لما قالوا للمسلمين عند الهزيمة : ارجعوا إلى دينكم الأول ، ولو كان نبيا ما قتل ، يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ راجعين عن إيمانكم ، فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ مفتونين عن دينكم ، فتحبط أعمالكم فتخسروا الدنيا والآخرة ، بل اثبتوا على إيمانكم ، فإن اللّه مَوْلاكُمْ سينصركم ويعزكم ، وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ، وقيل : إن تسكنوا إلى أبي سفيان وأشياعه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم . وقيل : عام في مطاوعة الكفرة والنزول على حكمهم ؛ فإنه يجر إلى موافقتهم على دينهم ، لا سيما إن طالت مدة الاستئمان . قلت : وهذا هو السبب في ارتداد من بقي من المسلمين بالأندلس حتى رجعوا نصارى ، هم وأولادهم ، والعياذ باللّه من سوء القضاء . الإشارة : يا أيها المريدون - وخصوصا المتجردين - إن تطيعوا العامة ، وتركنوا إليهم ، يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بطلب الدنيا وتعاطى أسبابها ، فتزلّ قدم بعد ثبوتها ، وتنحط من الهمة العالية إلى الهمة السفلى ، فإن الطباع تسرق ، والمرء على دين خليله ، بل اثبتوا على التجريد وتحقيق التوحيد ، فإن اللّه مولاكم ( وهو خير الناصرين ) ؛ فينصركم ويعزكم ويغنيكم بلا سبب ، كما وعدكم ؛ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ . ولّما انصرف أبو سفيان من أحد ، قال : بئس ما صنعنا ! قتلنا القوم ولم يبق إلا اليسير ، ارجعوا حتى نستأصلهم ، فألقى اللّه في قلبه الرعب ، كما قال :